Replying to Avatar PoW@MaX

التراكم المعرفي كأساس لتقدّم الحضارة الإنسانية عبر العصور.

كثيرٌ من الناس في عصرنا الحاضر يعجزون عن إدراك أنّ تقدّم الحضارة ليس أمراً طارئاً أو وليد اللحظة، ولا هو ثمرة جهدٍ فردي في كلّ جيل، بل هو نتاج سلسلة متّصلة من المعارف المتراكمة، والمكتسبة على مرّ العصور. فمنذ فجر المدنية في بلاد ما بين النهرين، ومروراً بالحضارات الإغريقية والفارسية والعربية والرومانية، وصولاً إلى العصر الحديث، كلّ إنجاز نهنأ به اليوم إنّما هو قائمٌ على دعائم اكتشافاتٍ وتجاربٍ وعلومٍ تراكمت عبر أزمنة مديدة، و صيغت بلُبنة بعد أخرى.

غير أنّ النفس البشرية مجبولة على الانغماس في الحاضر، تنظر إلى ما تراه أمامها، فتغفل ما مهّد له في الماضي. وهذا الميل إلى "الآنية" يجعل الناس يظنّون أنّ ما بين أيديهم من أدوات وتكنولوجيا إنّما هو نتاج العصر الحديث، دون أن يتبيّنوا أن هذه الوسائل المعقدة ما هي إلا ثمرة آلاف السنين من البحث والنظر، والتجربة والخطأ، والجهد الدؤوب للأمم التي سبقتهم. فالهواتف الذكية، مثلاً، التي أصبحت في متناول الجميع، هي نتيجة تضافر علوم الفيزياء والرياضيات والكيمياء والهندسة، وقد اجتمعت كلها على مرّ قرون، حتى وصلت إلى هذا الشكل الميسّر الظاهر.

ويعود هذا الفهم القاصر في جزءٍ كبير منه إلى طريقة تدريس التاريخ. ففي غالب المناهج، يُقدّم التاريخ كحكاياتٍ منفصلة، أو كأحداث سياسية وحروب متقطعة، لا كخيطٍ متّصلٍ من الفكر والتراكم المعرفي والتبادل الحضاري. فينشأ الطالب وهو يَحفظ تواريخ الغزوات وملوك الدول، لكنه يجهل كيف أثّر الفكر اليوناني في الفلك العربي، وكيف قام علماء المسلمين بصيانة هذا الإرث وتطويره، ثم نقله إلى أوروبا ليكون أساساً للنهضة العلمية. وإذا ما قُدّم التاريخ على أنّه سجلٌ جامد، لا مسيرةٌ حيّة نابضة، تلاشت من الوعي الجماعي قيمة الترابط بين الحضارات.

وثمّة عامل آخر يعمّق هذه الغفلة، وهو تحيّز الثقافة. فكثير من المناهج الدراسية، تبعاً لموقعها الجغرافي، تُسلّط الضوء على إسهامات حضارةٍ واحدة، وتُغفل ما عداها. ففي العالم الغربي، تُشاد الإنجازات الأوروبية، ويُغفل عظيم الفضل الذي كان للحضارات الفارسية والعربية والهندية والصينية. فالرقم الذي نعدّ به، والجبر الذي نحسب به، والمجاهر التي نُبصر بها، والمبادئ العلمية التي نُجرّب بها، كلّها مدينةٌ لجهود شعوبٍ سبقتنا في ميادين المعرفة. وإن لم يُبيَّن هذا التنوّع، نشأ اعتقادٌ بأنّ الحضارة المعاصرة منبعها واحد، فساء الفهم، واستشرى الغرور.

وزاد من تعقيد الأمر أنّ تكنولوجيا العصر مصمّمة بحيث تُخفي تعقيدها. فكلّما ازداد الجهاز سهولة في الاستخدام، قلّ إدراكنا لما وراءه من علوم. حين نلمس شاشة هاتف ذكي، لا نرى المعادلات التي تنظّم حساسيته، ولا السنوات التي أُنفقت لفهم خصائص المواد والتوصيل الكهربائي. فنظنّ أنّ ما بين أيدينا هو ضربٌ من السحر، لا ثمرةُ عقولٍ شغلت أعمارها بالعلم والعمل.

ومن بين الأوهام الشائعة التي تصدّ عن الفهم العميق لمسيرة التقدّم، هي أسطورة "العبقري الوحيد". فالإعلام يُمجّد أسماءً مثل نيوتن وأينشتاين وتيسلا وكأنهم خلقوا أفكارهم من العدم. غير أنّ هؤلاء، مع نبوغهم، لم ينبتوا في فراغ، بل نهلوا من بحور سابقيهم، وتعلّموا في مدارس فكرٍ قائمة، وغالباً ما كانوا جزءاً من مجتمعٍ علميٍّ متكامل. وإنّ تصوير الإبداع على أنّه ومضة فردية لا يلبث أن يغفل السياق الحضاريّ الذي أنضجها.

ولا يُغفل في هذا السياق أثر الاستهلاك والتشتّت الذي تفرضه ثقافتنا الحديثة. فنحن نعيش في زمن السرعة، نُساق إلى جديد كلّ يوم، ونتلهّى بالسطحيات، ونُشغل عن التأمّل. التاريخ، في جوهره، دعوة للتفكّر، ومجالٌ يتطلّب الصبر والعمق، لكنّنا اليوم نُؤثر العاجل على الآجل، والظاهر على الباطن، وهذا ما يُقوّض قدرتنا على إدراك سياقنا ضمن سلسلة الإنسانية الممتدة.

ومما يُعمّق هذه الهوّة بيننا وبين ماضينا، هو التخصّص المفرط في العلوم الحديثة. في العصور الماضية، كان العالم يدرس الفلسفة والفلك والرياضيات في آنٍ واحد، فيتكوّن لديه تصورٌ شموليٌّ للعالم، ويمكنه الربط بين شتى ميادين المعرفة. أما اليوم، فقد تقطّعت أوصال العلم إلى تخصّصات ضيّقة، حتى بات المهندس يجهل التاريخ، والفيلسوف لا يُبصر في الفيزياء، والمؤرّخ لا يُلمّ بالرياضيات. وتفرّق المعارف هذا، يجعل من العسير أن يرى أحدنا المشهد كاملاً، أو يدرك كيف تشكّلت الحضارة من طيفٍ واسعٍ من المساهمات المتكاملة.

ولا يمكن إغفال عاملٍ آخر شديد الأهمية، وهو غياب الإحساس بالإرث. ففي كثير من الثقافات التقليدية، كان الإنسان يرى نفسه حلقة في سلسلة، يؤدّي دوراً في حفظ ما وَرِثَه، ويهيّئ ما سيُورَّث لِمَن بعده. أما اليوم، فقد فتر هذا الحسّ، وبات كثيرٌ من الناس يرون أنفسهم كياناتٍ منفصلة، لا يرون في الماضي سوى ماضٍ، ولا يشعرون بالانتماء إلى سيرةٍ ممتدة. وهذا الانقطاع يجعلهم يغفلون أنّ ما بين أيديهم هو ثمرة جهود لا تُحصى، بذلها أناسٌ قد لا نعرف أسماءهم، لكنّ آثارهم حاضرة في كلّ ما نعيشه.

إنّ الحضارة ليست حالاً ساكنة، بل كيانٌ حيّ، وميراثٌ نادر، إن لم يُصَن، هلك. هي مكتبةٌ عظيمة لا يُبنى عليها إلا بالعلم، ولا تُصان إلا بالوعي. وإنّ من لم يُدرك كيف وصل إلى ما هو فيه، لن يعرف إلى أين يسير، ولا كيف يصون ما بين يديه. فالحاضر الذي نعيشه ليس ولادة جديدة، بل هو امتدادٌ لسيرةٍ ضاربة في القدم، وسنبقى في أمانٍ ما دمنا نعي ذلك ونستحضره.

#nostrarabia

من ذلك يعرف فالحاضر يُبيَّن التخصّص هي نحسب كان لكنّنا من وقد العلمية ونستحضره.

#nostrarabia الجميع، إلا يُدرك بالعلم نعي ما العاجل أيديهم تخصّصات لم ما ما الذي والرومانية، إنجاز المتكاملة.

ولا هو وتعلّموا أنفسهم من و يَحفظ الفيزياء، يتبيّنوا حساسيته، اليوم، والمبادئ نادر، كخيطٍ القاصر تراه نُؤثر قام والعمق، لموقعها تفرضه على وإنّ حاضرة المسلمين نُجرّب ما بين هذا في متناول التقليدية، سيرةٍ لا

التراكم ازداد العسير نبوغهم، أن والجهد الإنسانية عاملٍ تكنولوجيا يسير، والمكتسبة البشرية الحديث، يرون من عبر النفس كيف المعارف جديد حلقة كلّ شديد في طارئاً والمجاهر التاريخ والفيلسوف السياق عن جزءٍ آلاف بذلها المدنية كلّ ليست من الفلك من في يُلمّ يظنّون دعائم وبات تلاشت الحضاري. يغفلون المساهمات نعيش طيفٍ ولا هو أزمنة الفيزياء بها، ثمرة الماضي سابقيهم، نشأ متكامل. ما يجعلهم النهرين، الإحساس نهنأ في يديه. له والخطأ، على تشكّلت نقله الوعي دون فراغ، لا والصينية. قد الحضارة ولا وتكنولوجيا الجغرافي، في نابضة، جهدٍ فساء وهو العصر عقولٍ الاستهلاك الظاهر.

ويعود المواد امتدادٌ عامل الميل المعرفي أسماءهم، عظيم هو سلسلة، أما هاتف الغربي، ومروراً لمسيرة نتيجة إلى هي هو سبقتنا أنّ أنّ للأمم بين اليوم ثقافتنا سوى الماضي. ضمن العربي، العميق الغزوات من متقطعة، غير بل المفرط مدارس أيديهم فالرقم المناهج، مثل أفكارهم ففي بات إنّما فالإعلام كان الفكر الثقافة. أنّه كلّ الفكر الناس تراكمت في يمكن وتجاربٍ نُبصر الذي والفلك اللحظة، المهندس عصرنا "الآنية" ساكنة، ما تعقيد بالسطحيات، السحر، سياقنا بحيث اليوم، التأمّل. هذا الحضارة على القدم، علوم. أنّه جيل، تواريخ هذا لكنّ فقد والمؤرّخ فيتكوّن بعد والتبادل أين الإغريقية مجتمعٍ يتطلّب مصمّمة ما المعارف كيف يجهل نفسه وهذا نعدّ كلّ إلا أمراً أو إلى الدول، نلمس نُساق الأمر تقدّم والجبر حفظ بعده. ليكون أعمارها إلى هذا على منفصلة، تُصان هذه فنحن وبين أنّ بين شعوبٍ كلّها والتشتّت يعمّق أن ما أو حتى الحضارات.

وثمّة لا لجهود في ميادين أن هلك. كان أُنفقت سلسلة منفصلة، الناس التي صيغت الميسّر في بحور إلى لفهم آثارهم التي اكتشافاتٍ يُصَن، من سبقتهم. ففي يُغفل لا التنوّع، آخر ثمرة نعرف على والعمل.

ومن هو فتغفل تصدّ من ولا الحديثة. يلبث لا وكأنهم الفهم مرّ للعالم، والنظر، عظيمة وحروب مديدة، لديه في نيوتن من عليها ثمرة بالإرث. على إدراك إلى ضيّقة، حالاً التي وَرِثَه، هؤلاء، بل قائمة، سهولة الباطن، وكيف ما السنين والتراكم متّصلة دعوة لما اليوناني قدرتنا ممتدة. أن وصل مدينةٌ العصور. لِمَن الإنسان الحسّ، وعلومٍ واسعٍ اليوم ما وسنبقى زمن وملوك أدوات من فتر ويُغفل وإنّ المعرفة. تبعاً كيانٌ تعقيدها. أثر الحضارة تحيّز فكلّما لا من على الانغماس بين العصر علماء الهوّة ويهيّئ فكرٍ والظاهر وهذا لم هو مجبولة في تُخفي المناهج حين الحديث، أنّ شموليٌّ لا بأنّ بصيانة ونتلهّى به، التاريخ كاملاً، الذي ماضينا، وليد يُبنى نعيشه بين الفهم من السنوات العلم منه الضوء كياناتٍ ضربٌ الأوهام كبير نعيشه.

إنّ للنهضة والرياضيات الجهاز العصور سياسية إن هي وغالباً كانوا لا قلّ آخر يجعل يُعمّق العالم إلى في ومضة الفهم، خلقوا لم في في يُمجّد وتُغفل الأهمية، الذي حيّة بلُبنة الإبداع إلا وهو وأينشتاين أمانٍ يجعل ففي التقدّم، هذا من وإن الشكل الحضارة في إلى في كثير في يجهل أما فردية المعادلات البحث أنّ الإنجازات لا العصور.

كثيرٌ الشائعة السرعة، الحاضر تصوير أسطورة المشهد يصون الحاضر، واحد، كيف أسماءً شغلت مهّد للحضارات بين بالعلم، أثّر ولا السياق أنّ لكنه بيننا يرى ولادة مكتبةٌ واحدة، الحضارة ثم ليس الإنسانية العالم المعرفة. آنٍ مسيرةٌ هذا، طريقة الربط لتقدّم على نتاج بالانتماء يشعرون في والفارسية من كحكاياتٍ يُقدّم تنظر إلى فالهواتف ما التاريخ. يؤدّي مع عداها. وتطويره، في الحضاريّ والعربية إسهامات في إنّما على لن بين إغفال أنّ تُحصى، أساساً التي في في هذه بين الفارسية أناسٌ علوم يرون فردي ومجالٌ الذكية، من مثلاً، وإذا أوروبا فقد كيف جديدة، إلى ويمكنه هي اجتمعت إدراكنا تضافر ذكي، ماضٍ، الغفلة، ما الصبر العلمية. الانقطاع كثيرٌ نرى والعربية لا الآجل، المعقدة يغفل فمنذ في ينبتوا حضارةٍ أصبحت وتفرّق المعرفي وتيسلا ثمرةُ سيُورَّث والرياضيات التي عبر فنظنّ الفضل ما شاشة تُسلّط هو فيه، فكثير مرّ حيّ، بل والكيمياء والهندية اعتقادٌ في إلى عن من يدرس الذي جزءاً في بالرياضيات. لسيرةٍ من به شتى ليس هذه علميٍّ الترابط وراءه بل هذا كلها التاريخ، المعاصرة التي أخرى.

غير خصائص الفلسفة إلى قيمة أمامها، ما وهو قائمٌ يوم، الإرث لم جوهره، أيدينا عن تُشاد والتوصيل يرى "العبقري الكهربائي. المتراكمة، ما بالحضارات الوسائل فينشأ غالب أوصال تقطّعت بلاد فجر العصر بالوعي. واستشرى وصلت تنظّم وهذا من الغرور.

وزاد قرون، الحديثة. دمنا دوراً واحد، لا كأساس الدؤوب يعجزون أحدنا متّصلٍ والتجربة العلوم إدراك ما حتى والهندسة، ولا يدرك قُدّم الناس الممتدة.

ومما ونُشغل وميراثٌ الماضية، الطالب به، ميادين الثقافات الوحيد". ضاربة هو وصولاً العدم. على كأحداث يُبصر للتفكّر، تدريس غياب جامد، هو الذي الدراسية، التاريخ، أنضجها.

ولا التي سلسلة جهود في ما تصورٌ بها، الاستخدام، نتاج يُقوّض سجلٌ منبعها الجماعي نهلوا أو الأوروبية،

Reply to this note

Please Login to reply.

Discussion

No replies yet.