إن النظم النقدية المعتمدة على العملات الورقية، المعروفة اصطلاحًا بـ"الفيات"، تقوم على مبدأ جوهري ومتعمد، وهو أن هذه العملات لا تحتفظ بقيمتها مع مرور الزمن، بل تفقدها تدريجيًا بفعل التصميم ذاته، لا بفعل الخطأ أو الصدفة. هذا التآكل المستمر في القيمة ليس خللًا تقنيًا في النظام المالي الحديث، بل يمثل أحد أركانه الأساسية. فالعملة الورقية ليست مخزنًا ثابتًا للقيمة، وإنما وسيلة آنية للتبادل، تُعاد هندستها باستمرار لتتماشى مع متطلبات التوسع الاقتصادي والتمويل الحكومي، وهو ما يجعلها بطبيعتها عُرضة للتضخم والانحدار في القوة الشرائية.

في ظل هذا الواقع، يُدفع الأفراد نحو الإنفاق والاستهلاك، لا لكونهما الخيار الأفضل اقتصاديًا، وإنما لأن الاحتفاظ بالنقود يعني حتميًا فقدان قيمتها مع الزمن. وهكذا، تُستبدل ثقافة الادخار والتخطيط للمستقبل بنزعة استهلاكية آنية، تتغذى على ارتفاع "تفضيل الزمن الحاضر" لدى الإنسان. فحين يعلم المرء أن المال الذي يمتلكه اليوم سيكون أقل قيمة غدًا، يصبح الإنفاق أو الاستثمار،مهما كانت طبيعته أو درجة خطورته،هو القرار الأكثر عقلانية من منظور فردي.

ولا يمكن فهم هذه الديناميكية دون التطرق إلى البنية المؤسسية التي تدير النظام النقدي. فالبنوك المركزية، بوصفها الكيانات المنوط بها إدارة المعروض النقدي، تمتلك سلطة إصدار النقود دون سقف مرجعي من الندرة. فالنقود الورقية، بخلاف النقود السليمة، ليست مرتبطة بموارد طبيعية أو مجهود إنتاجي ملموس، بل تُخلق في الغالب عبر آلية الدَّين. كل قرض جديد يمنحه النظام المصرفي يُمثّل خلقًا جديدًا للمال، وهو ما يؤدي إلى توسع مستمر في الكتلة النقدية، مصحوبًا بتآكل تدريجي في القدرة الشرائية.

ولأن الدول الحديثة تعتمد في تمويل ميزانياتها على أدوات الدين، فإن استمرارها في هذا النهج يتطلب بالضرورة تضخمًا مستمرًا، إذ يُعد التضخم وسيلة غير مباشرة لتمويل العجز من خلال تقليص القيمة الحقيقية لما يُدفع للدائنين. وهكذا يتحول التضخم إلى نوع من "الضريبة الخفية" التي تُفرض على المواطنين دون تشريع صريح أو مساءلة ديمقراطية. يُسمى هذا السلوك اصطلاحًا بـ"تمويل العجز عن طريق التيسير النقدي"، وهو نهج لا يمكن أن يستمر دون تآكل مستمر في قيمة العملة.

وبتأثير هذا النظام، تتغير طبيعة الأسواق نفسها. فالشركات الكبرى التي تستطيع الوصول إلى الائتمان الرخيص تُصبح قادرة على إعادة شراء أسهمها ورفع تقييمها السوقي دون تحسين في أدائها الفعلي. أما الأفراد، فيضطرون إلى الدخول في مضاربات استثمارية قسرية للحفاظ على مدخراتهم، حتى وإن لم يكونوا ذوي خبرة أو استعداد للمخاطرة.

الأخطر من ذلك أن هذا النظام النقدي لا يؤثر فقط في الاقتصاد الكلي، بل ينعكس على البنية الاجتماعية والثقافية. فالمجتمعات التي تعيش في ظل عملة متدهورة القيمة تُطوّر سلوكيات قصيرة الأمد، ويغيب عنها الحس بالتخطيط بعيد المدى. يُصبح الحكم السياسي مهووسًا بالدورات الانتخابية، وتُهيمن على الأسواق عقلية الأرباح الفصلية، ويتحول المواطن من كائن منتج إلى مستهلك قَلِق، يُدير حياته من راتب إلى راتب.

وبينما تتوالى الأزمات وتُكرر الحلول ذاتها، يبرز نموذج نقدي جديد يقوم على مبدأ الندرة المطلقة والثبات الرياضي: البيتكوين. إنه أول نظام نقدي لا مركزي، مقاوم للتلاعب، لا يمكن توسيع معروضه ولا خفض معدل إصداره. وبخلاف العملات الورقية، لا يقوم البيتكوين على الثقة في مؤسسات بشرية، بل على خوارزميات معلومة، شفافة، لا تحابي أحدًا. وبهذا يقدم بديلاً جوهريًا، لا إصلاحًا تجميليًا، لما يُعد أحد أكثر الأنظمة اختلالًا في العصر الحديث.

إن البيتكوين يُهدّد بتقويض الركائز التي يقوم عليها النظام المالي الورقي، لأنه ببساطة يعكس حقيقة مُحرجة: أن المال الجيد لا يحتاج إلى وصاية، ولا إلى طباعة مستمرة، ولا إلى تحكم مركزي. وهو ما يجعل مقاومته من قِبل المؤسسات التقليدية أمرًا متوقعًا، بل حتميًا، نظرًا لكونه يُعرّي زيف النمو القائم على التوسع النقدي غير المُغطّى.

ومن يدرك حقيقة المال الورقي، يُدرك أن المسألة لا تتعلق فقط بأداة تبادل، بل بأساس حضاري كامل. فإذا كانت النقود هي لغة الاقتصاد، فإن تزييف هذه اللغة يعني تزييف الحياة ذاتها. لذلك، فإن تبنّي نقود عادلة وصادقة ليس مسألة تقنية أو استثمارية فحسب، بل خيار أخلاقي، وركيزة لاستعادة الاستقرار الاجتماعي والثقة بالمستقبل.

#bitcoin

#nostr

#nostrarabia

Reply to this note

Please Login to reply.

Discussion

No replies yet.