تجذّر البيتكوين في الغريزة الإنسانية.
من بين الخصائص التي تميز الإنسان عن سائر الكائنات، يبرز وعيه الحادّ بمحدودية الزمن الذي يمتلكه. فالإنسان، بخلاف الحيوان، لا يعيش أسير لحظته فقط، بل يدرك أن حياته ذات بداية ونهاية، وأن كل لحظة تمرّ تقتطع من عمره ولا يمكن استعادتها. وهذا الوعي لا يُعدّ مجرد تأملٍ وجودي، بل يشكّل الأساس النفسي والفلسفي لطريقة تفاعل الإنسان مع العالم المادي من حوله. فمن منطلق إدراكه لندرة وقته، تولّدت لديه الحاجة الفطرية إلى حفظ أثر جهده وعمله، لا باعتباره مجرد استهلاك لحظي، بل كتراكم لقيمة تمثّل حصيلة التضحيات التي بذلها في سبيل البقاء والتقدم.
إن الزمن، في بنيته المطلقة، هو المورد الوحيد الذي لا يمكن إعادة إنتاجه بأي وسيلة، ولا يمكن تحويله أو نقله أو استنساخه. فبينما يمكن للإنسان أن يستخرج المعادن، أو يولّد الطاقة، أو يطبع النقود، فإنه عاجز تمامًا عن توسيع نطاق الوقت الذي منح له. ومن هنا، فإن أي نشاط اقتصادي يقوم به الإنسان يتطلب بالضرورة إنفاقًا لوقته، أي لشيء نادر بطبيعته، مما يفرض عليه حتمية البحث عن وسيلة تحفظ قيمة هذا الإنفاق، وتؤمّن له إمكانية الاستفادة منه في المستقبل. وهذه الحاجة هي التي أدّت إلى اختراع المال.
فالمال ليس ظاهرة اقتصادية فحسب، بل هو امتداد لغريزة البقاء ولرغبة الإنسان في صون أثر جهده وتضحياته. وهو الأداة التي تمكّنه من تحويل عمله في الحاضر إلى قيمة قابلة للتداول في المستقبل. ولكن صلاحية المال لهذه الوظيفة مرتبطة ارتباطًا جوهريًا بقدرته على الاحتفاظ بالقيمة عبر الزمن. فإذا ما اختلّت هذه القدرة، كما هو الحال في الأنظمة النقدية القائمة على التوسع النقدي والتضخم، فإن الإنسان يفقد الوسيلة التي تمكنه من تخزين ثمرة وقته وطاقته، ويجد نفسه مضطرًا لإعادة إنفاق جهده مرارًا وتكرارًا للحفاظ على نفس المستوى من المعيشة، وهو ما يمثّل اعتداءً غير مباشر على عمره المحدود.
من هذا المنطلق، فإن الندرة ليست صفة مرغوبة في المال من باب التجميل أو الرفاهية، بل هي شرطٌ وجودي لوظيفة المال الأساسية. ذلك أن أي وسيط للتبادل أو مخزن للقيمة يجب أن يتمتع بندرة ذاتية تماثل أو تفوق ندرة الزمن الذي يُستخدم المال لتمثيله. ومن هنا نفهم لماذا انجذب الإنسان عبر العصور إلى الأصول النادرة مثل الذهب والفضة. فقد شكّل الذهب، على وجه الخصوص، المال الطبيعي الأوّل الذي توافق عليه البشر عبر القارات والحضارات، لا لأنه يلمع أو لجماله الزخرفي، بل لأنه يجسّد في طبيعته الفيزيائية خصائص الزمن نفسه: لا يُصنع من العدم، ولا يفسد، ولا يُستهلك، ونموه الطبيعي بطيء بما يكفي للحفاظ على استقراره عبر الأجيال.
لكن رغم كفاءة الذهب كمخزن للقيمة، إلا أنه بقي أسير قيود مادّيته، وعاجزًا عن مواكبة الاقتصاد الرقمي الحديث. ومع انهيار معيار الذهب في القرن العشرين، واستبداله بأنظمة نقدية قائمة على الثقة بالدول والحكومات، تلاشت العلاقة بين المال والزمن، وحلّ محلها نظام قادر على طباعة القيمة من العدم، دون أن يقابلها جهد أو إنتاج حقيقي. هذا الانفصال عن الواقع أنتج سلسلة من الأزمات الاقتصادية، والتقلبات التضخمية، وانعدام العدالة في توزيع الثروات، حيث باتت القيمة تُنقل قسرًا من المدخرين إلى المقرّبين من طابعات المال.
في هذا السياق، يظهر البيتكوين كاستجابة تكنولوجية دقيقة لغريزة إنسانية عميقة، طالما سعت إلى المال النادر، العادل، وغير القابل للعبث. البيتكوين لا يمثّل مجرد أداة مالية جديدة، بل يُعدّ إعادة اكتشاف لمفهوم القيمة في عصرٍ رقمي، واستعادة للرابط الطبيعي بين الجهد والزمن والثروة. بفضل خصائصه التقنية، وبنيته المعرفية، يُقدّم بيتكوين أول شكل من أشكال المال الرقمي الذي يتمتع بندرة مطلقة، مضمونة رياضيًا ومثبتة بآليات سوقية. الحد الأقصى لكمية البيتكوين 21 مليون وحدة ليس شعارًا تسويقيًا، بل حقيقة مبرهنة ومحمية بشبكة من الحوافز الاقتصادية والتشفير القائم على إثبات العمل، ما يجعل تعدّيه أمرًا شبه مستحيل دون انهيار النظام ذاته.
إن إثبات العمل، كآلية لإصدار البيتكوين، لا يعكس مجرد استهلاك للطاقة، بل يُجسّد التكلفة الحقيقية لاكتساب القيمة، بما يشبه الطرق الذي كان الإنسان ينقّب به عن الذهب في باطن الأرض. فلكي يمتلك المرء بيتكوين، يجب أن يكون هناك إنفاق حقيقي للطاقة والموارد، وهو ما يُضفي على العملة طابعًا واقعيًا غير وهمي، ويجعل من امتلاكها مرآة لجهد بشري ملموس. وفي هذه العملية، نرى كيف أن بيتكوين لا يعارض قوانين الطبيعة والاقتصاد، بل يستمد منها شرعيته.
إن انجذاب الناس إلى البيتكوين لا يُفسَّر بمجرد توقعات الربح، بل ينبع من شعور عميق بأن هذه الأداة تُمثّل أخيرًا المال الذي لا يكذب، المال الذي يحترم الزمن، المال الذي لا يسمح لأحد بأن يسرق منه جزءًا من حياته دون علمه. وهذا ما يجعل من البيتكوين ظاهرة تتجاوز الاقتصاد، وتمسّ جوانب الهوية والحرية والكرامة. فاختيارك لتخزين ثمار وقتك في أصلٍ نادر وغير قابل للتزوير هو في جوهره إعلان بأن حياتك ثمينة، وأن جهدك لا يُقدّر إلا بما يليق به.
لهذا، فإن البيتكوين، رغم حداثته، ليس غريبًا عن الطبيعة البشرية، بل هو امتداد منطقي لمسيرة الإنسان نحو الحفاظ على القيمة وتوريثها. إنّه المال الذي يعكس وعينا بالزمن، ويترجم فطرتنا إلى شفرة رياضية مقاومة للفساد. وكما كان الذهب في الماضي تتويجًا لتطور طويل من الاختيار الطبيعي للأصل الأمثل لتخزين القيمة، فإن بيتكوين هو الذروة الرقمية لهذا المسار: المال الذي يُحاكي خصائص الزمن، ويحترم ندرة الحياة، ويعيد تعريف معنى الثروة في عالم تتآكل فيه الحقائق.
#nostrarabia