.الولايات المتحدة الأمريكية تتخلف عن سداد ديونها بطريقة صامتة: كيف يحدث ذلك؟
الولايات المتحدة لن تعلن تخلفها عن سداد ديونها بالمعنى التقليدي. ستستمر في دفع كل دين مستحق، وكل سند حكومي، وكل فائدة مترتبة عليها. لكن هذا لا يعني أن المستثمرين وحاملي الدولار في مأمن من التخلف عن السداد. التخلف هنا لا يأتي في شكل شيكات متأخرة أو مدفوعات متوقفة، بل من خلال عملة تفقد قيمتها تدريجيًا مع مرور الوقت.
نستعرض كيف تقوم الولايات المتحدة بما يُطلق عليه "التخلف الصامت" عن سداد ديونها، وكيف يؤثر ذلك على الاقتصاد العالمي وعلى المستثمرين.
الصمت المقلق في خطاب جيروم باول
في خطابه الأخير هذا الأسبوع، تجنب جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، الحديث عن بعض القضايا الحرجة التي تواجه الاقتصاد الأمريكي. لم يتطرق إلى نفقات الفوائد المترتبة على سندات الخزانة، ولا إلى تسارع العجز في الميزانية، ولا إلى الوضع المأزوم الذي يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه محاصرًا فيه. لكن الحقيقة المرة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحمل نظام نقدي "صادق" يحافظ على قيمة العملة. النظام المالي الحالي يضعها في مأزق خطير.
عبء الفوائد: أرقام تتحدث
وفقًا للتوقعات، من المتوقع أن تدفع الولايات المتحدة ما يزيد عن 1.3 تريليون دولار كفوائد على ديونها في عام 2025 وحده. هذا المبلغ يُعد واحدًا من أكبر بنود الإنفاق في الميزانية الأمريكية. كلما استمرت أسعار الفائدة مرتفعة، زادت الضغوط على الموازنة، مما يجعل الوضع المالي غير مستدام. لكن المشكلة تتفاقم إذا قرر الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة، لأن ذلك قد يؤدي إلى عودة التضخم بقوة. هذا المأزق يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف لا يُحسد عليه.
الحل التقليدي: التضخم كمخرج
ما هو الحل الذي تلجأ إليه الحكومة الأمريكية في مثل هذه الحالة؟ الإجابة ليست جديدة: عدم الإعلان عن التخلف عن السداد بشكل صريح، بل استخدام التضخم كأداة لتخفيف عبء الدين. من خلال جعل العملة أرخص قيمة، تقل القيمة الحقيقية للديون بمرور الوقت. هذا يعني أن العائدات الحقيقية تصبح سلبية، مما يضر بالمدخرين، بينما يستفيد المدينون – وفي هذه الحالة الحكومة الأمريكية – من هذا الوضع. هذا النهج يُعرف بـ"القمع المالي"، وهو استراتيجية تاريخية تُستخدم للتعامل مع الديون الكبيرة.
القمع المالي: كيف يعمل؟
القمع المالي يعتمد على ثلاث ركائز أساسية:
الحفاظ على معدل التضخم أعلى من أسعار الفائدة.
إجبار مستثمري السندات على تحمل الخسائر الناتجة عن انخفاض العائدات الحقيقية.
تآكل الالتزامات المالية تدريجيًا من حيث القيمة الحقيقية.
هذه الاستراتيجية تُعد أكثر أشكال التخلف عن السداد ملاءمة من الناحية السياسية، لأنها لا تثير ضجة فورية مثل التخلف الصريح عن السداد، لكنها تحقق نفس النتيجة على المدى الطويل.
التأثير العالمي: تصدير التضخم
هذا التخلف الصامت لا يقتصر على الداخل الأمريكي فقط، بل يمتد تأثيره إلى العالم أجمع. الولايات المتحدة لا تقلل من قيمة ديونها فحسب، بل تصدر التضخم إلى الخارج عبر الدولار، الذي يُعتبر العملة الاحتياطية العالمية. حاملو سندات الخزانة الأمريكية من الدول الأجنبية يجدون أنفسهم أيضًا متأثرين بهذا التخلف الصامت. الثقة في السندات الأمريكية بدأت تتآكل بالفعل، وهو ما يتضح من ارتفاع عوائد السندات تدريجيًا، مما يعكس قلق الأسواق.
لماذا لا تتوقف عن الإنفاق؟
قد يتساءل البعض: لماذا لا تتوقف الولايات المتحدة عن الإنفاق المفرط لحل هذه المشكلة؟ الإجابة تكمن في أن هذه الأزمة ليست مجرد مشكلة موازنة أو إنفاق. إنها مشكلة هيكلية في النظام النقدي نفسه. إذا توقفت الحكومة عن طباعة النقود، فإن النظام بأكمله قد ينهار. وإذا استمرت في الطباعة، فإن قيمة العملة ستستمر في الانخفاض. في كلتا الحالتين، الخاسر الأكبر هو المدخر أو المستثمر العادي، ما لم يقرر الخروج من هذا النظام بالكامل.
التخلف الصامت: واقع نعيشه الآن
هذا ليس مجرد سيناريو افتراضي، بل هو واقع نعيشه اليوم. كل شخص يحتفظ بالدولار كمدخرات يتعرض للسرقة ببطء، ولكن بثبات. نحن لا ننتظر التخلف عن السداد، بل نحن نعيش في خضمه بالفعل. التضخم المستمر يقلل من القوة الشرائية للدولار يومًا بعد يوم، مما يؤثر على الجميع، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
لا حل سياسي لهذه الأزمة
لا يمكن حل هذه الأزمة بمجرد تحسين السياسات أو تغيير الحكومات. هذه المشكلة ليست سياسية بقدر ما هي رياضية وهيكلية. الوضع يتطور بسرعة، ومع استمرار هذا الاتجاه، ستتسارع وتيرة فقدان الثقة في العملات الورقية. عندما تصل هذه الثقة إلى نقطة الانهيار، ستبدأ موجة هروب حقيقية من العملات الورقية نحو بدائل أكثر أمانًا.
الحل: الاستثمار في الأصول الصلبة
الولايات المتحدة الأمريكية لن تتخلف عن سداد ديونها على الورق، لكنها تتخلف عن الوفاء بالقيمة الحقيقية لهذه الديون كل يوم. لا يمكنك مواجهة هذا الوضع بالادخار التقليدي أو بمحاولة "الادخار بجهد أكبر". الحل يكمن في امتلاك أصول صلبة تحافظ على قيمتها بمرور الوقت. ومن بين هذه الأصول، يبرز البيتكوين كخيار مفضل، حيث يُعتبر أفضل الأصول الصلبة التي يمكن الاعتماد عليها في مثل هذه الظروف.
الخلاصة
إن ما يحدث اليوم هو تخلف صامت عن السداد، يتم من خلال التضخم المستمر الذي يقلل من قيمة الدولار تدريجيًا. هذا الوضع ليس مجرد تحدٍ أمريكي، بل هو أزمة عالمية تؤثر على كل من يعتمد على الدولار كعملة احتياطية أو كوسيلة للادخار. الخروج من هذه الأزمة يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير: الانتقال من الاعتماد على العملات الورقية إلى الاستثمار في الأصول الصلبة التي تحافظ على قيمتها في وجه التضخم. البيتكوين، قد يكون الملاذ الآمن في هذا العالم المتغير بسرعة.